الشكوة في سيدي بوزيد

من فِيكِيدْيَا
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

سيدي بوزيد هي ولاية فلاحية استراتيجية بوسط تونس، تربط بين الشمال والجنوب، وتعد قطبا رئيسيا للإنتاج الحيواني وزراعة الزيتون. تشتهر بإنتاج الحليب وتربية المواشي (أغنام وأبقار)، مع استثمارات صناعية كبرى في مجال الألبان (مثل مصنع دليس)، مما يرسخ دورها كركيزة للأمن الغذائي في البلاد[١].

إذ تُعدّ من الولايات التونسية ذات النشاط الفلاحي الكبير، خاصة في تربية الأبقار والأغنام وإنتاج الحليب. وقد بلغ إنتاج الحليب في الجهة حوالي 89 مليون لتر سنويًا، مما يجعلها من أهم المناطق المنتجة للحليب في تونس[٢].

هذه الوفرة ساهمت في انتشار أدوات فلاحية تقليدية مثل الشّكوة، التي استُخدمت لعقود لاستخراج الزبدة والمشتقات الطبيعية من الحليب.

الشّكوة[عدل | عدل المصدر]

أداة فلاحيّة من الجلد[عدل | عدل المصدر]

الشَّكْوَةُ هي وعاءٌ صَغيرٌ للماء واللَّبَن يُتَّخذُ من جِلدٍ، وقد يُسْتَعْمَلُ لتبريد الماء والجمع : شِكاءٌ، وشُكِيّ، وشُكِيٌّ[٣].

فهي وعاء تقليدي يُصنع من جلود بعض الحيوانات. وتَضع النساء في المناطق الريفية فيها الحليب سواء من البقر أو الغنم، ثم يقمن بـهزّها على الركبة لفترة طويلة حتى يتحوّل الحليب إلى زبدة.

وفي بعض المناطق، تُعلَّق الشكوة بواسطة الخيوط على أعواد خشبية لتسهيل عملية التحريك. وبعدها تُفرَّغ محتوياتها في قدر خاص أو ما يسمى بالجرّة، فتطفو الزبدة على السطح ويتم جمعها باليد[٤]. وتبرز هذه الأداة بشكل واضح في الحياة الريفية في سيدي بوزيد، حيث ارتبطت بعادات وتقنيات قديمة في مخض اللبن وصناعة الزبدة، مما يجعلها جزءًا مهمًا من التراث الثقافي للجهة.

صنع الشكوة (طريقة العمل التقليدية)[عدل | عدل المصدر]

يتطلب صنع الشكوة مهارات حرفية قديمة إذ يتم على مراحل مختلفة:

  • إعداد الجلد: تُسلخ في هذه المرحلة ذبيحة الماعز أساسا أو الغنم بطريقة خاصة من رقبتها فقط للحصول على شكوة خالية من الثقوب.
  • معالجة الجلد: يملأ الجلد بـ"عوين الفرن" (وهو الرماد المتبقي من حطب الفرن الطيني). ثمّ يُضاف الملح وقليل من الماء، ثم يُترك الجلد لمدة حوالي 15 يومًا حتى يتساقط شعره تمامًا.
  • دبغ الجلد: بعد تنظيفه من الخارج وتحويله، يوضع في أوانٍ كبيرة مع إضافة القريض (عشب طبيعي). ويُترك لمدّة حوالي خمسة أيام ليتم دبغه وإعداده للاستخدام.
  • الشكل النهائي: تُخاط الجهة الخلفية للجلد ونهاية السيقان وتُترك فتحة الرقبة لتُستعمل لإدخال الحليب لاحقًا.

طريقة استخدام الشكوة ( الحصول على الزّبدة)[عدل | عدل المصدر]

يوضع الحليب في الشكوة من خلال الفتحة الوحيدة المتبقية فيها ثم تربط. وتوضع في المساء فوق الكانون بعد ان تخمد ناره ويزال بقايا رماده. والهدف من ذلك التماس الدفء للحليب لليلة كاملة .

في الصباح ترفع عن موضع الموقد بعد أن يتخمر الحليب ويروب. يضاف عليه بعض الملح وقليل من الماء البارد لحفظ سيولته ثم تبدأ المرأة بالخض أو المخض وهي عمليه تحريك الشكوة وأرجحتها بين يديها وركبتيها في موضع جلوس التربع. وتستمر هذه العملية لساعة أو أكثر ثم تقوم بعملية (قلع الزبدة ) بعد الطرق على جوانب الشكوة بطريقة خاصة كي تخرج الزبدة منها[٥] .

ثمّ يتم وضع الزبدة في الجرة وهي إناء من الفخار مخصص لحفظها.

الڨِربة: استعمال ثانٍ للشكوة[عدل | عدل المصدر]

وبجانب صناعة الزبدة، في سيدي بوزيد يمكن استعمال هذا الوعاء المصنوع من الجلد لحفظ الماء باردًا، عندها يُطلق عليه اسم الڨِربة، وتستفيد من خصائص الجلد في تبريد الماء طبيعيًا، خصوصًا في المناخ الحار.

وتُستعمل منذ القدم لحفظ الماء ونقله، خاصة في المناطق الصحراوية والريفية. تتميّز القِربة بقدرتها على الحفاظ على برودة الماء نسبيًا بفضل طبيعة الجلد التي تسمح بتبخر بسيط للماء، مما يخفّف من حرارته. كانت تُعلّق على الدواب أو تُحمل باليد أثناء السفر، ولا تزال تُستعمل في بعض المناطق إلى اليوم كجزء من التراث التقليدي.

تُعدّ الشَّكوة من أبرز الرموز التراثية في سيدي بوزيد، إذ تعكس عمق العلاقة بين الإنسان وبيئته وقدرته على استغلال الموارد الطبيعية ببساطة وذكاء. فقد كانت وسيلة أساسية لإنتاج الزبدة لحفظ الماء ونقله في ظروف مناخية صعبة، مما جعلها جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية قديمًا. ورغم تراجع استعمالها في الوقت الحاضر، فإنها ما تزال تحتفظ بقيمتها الرمزية كدليل على أصالة التراث البوزيدي وغنى عاداته وتقاليده. ولا يزال إلى اليوم بعض النسوة في الأرياف متمسّكات بالشكوة، حيث يواصلن استعمالها في حياتهن اليومية رغم توفّر الوسائل الحديثة. فهنّ يرين فيها جزءًا من هويتهنّ وتراثهنّ، ويحرصن على الحفاظ على هذا الموروث من الاندثار. كما يعكس هذا التمسّك ارتباطًا قويًا بالجذور واحترامًا لعادات الأجداد، لتبقى الشكوة حيّة في الذاكرة والممارسة معًا.

وفي الختام، تبقى الشكوة شاهدًا حيًّا على مهارة الأجداد في ولاية سيدي بوزيد وحكمتهم في التكيّف مع الطبيعة، وكنزًا ثقافيًا يستحق المحافظة عليه ونقله إلى الأجيال القادمة.

المراجع[عدل | عدل المصدر]

  1. https://www.guidetouristique.tn/3658/%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%AF/
  2. https://www.jawharafm.net/ar/article/%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%AF--%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9/105/138444
  3. https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%83%D9%88%D8%A9/
  4. https://aldaaenews.com/AR/Details/7608?__cf_chl_tk=rAlAZWYnVODGYNd34pSVWyuRibqRl09NHtK0pAH3SZo-1774258775-1.0.1.1-1wz.LlG0r.MN0Z8LNPTt2mGyu.kS71qY33Rnizl3w4w
  5. https://aldaaenews.com/AR/Details/7608?__cf_chl_tk=rAlAZWYnVODGYNd34pSVWyuRibqRl09NHtK0pAH3SZo-1774258775-1.0.1.1-1wz.LlG0r.MN0Z8LNPTt2mGyu.kS71qY33Rnizl3w4w