خزف نفطة

تُعدّ صناعة الفخار في مدينة نفطة من أعرق الحرف التقليدية في الجنوب الغربي التونسي، وهي مرتبطة تاريخيًا بعائلة القفصي التي حافظت على هذا الموروث عبر أجيال متعاقبة. تعود أصول هذه العائلة إلى مدينة قفصة، وقد استقرت في نفطة منذ عدة قرون، حيث ساهمت في ترسيخ تقاليد صناعة الفخار ونقلها داخل الإطار العائلي.
الأصول والتوارث[عدل | عدل المصدر]
ارتبطت حرفة الفخار في نفطة بعائلة القفصي، التي تناقلت هذا الفن أبًا عن جد. ويُعدّ المرحوم محمد بن عمر القفصي، المعروف بلقب "المعلّم"، من أبرز أعلام هذه الحرفة، حيث لعب دورًا مهمًا في تطويرها والمحافظة عليها. ويواصل أبناؤه وأحفاده اليوم توثيق هذا التراث والحفاظ عليه.
المواد الأولية[عدل | عدل المصدر]
أنواع الطين[عدل | عدل المصدر]

تعتمد صناعة الفخار على مزج نوعين رئيسيين من الطين:
- الطين الأحمر (الأنثى): يُستخرج من منطقة كاف سيدي سالم بنفطة، ويتميز بصلابته لكنه قد يتشقق عند استعماله منفردًا.
- الطين الأبيض (الذكر): يُستخدم لتعديل خصائص الطين الأحمر وتحسين تماسكه.
نسب الخلط[عدل | عدل المصدر]
تعتمد الحرفة على قاعدة تقليدية:
- ثلثان من الطين الأحمر
- ثلث من الطين الأبيض
وذلك لضمان جودة القطع ومتانتها.
إعداد الطين[عدل | عدل المصدر]
كان نقل الطين يتم قديمًا من الجبال باستعمال الدواب وأداة تُعرف بـ"الزمبيل". وتتم عملية التحضير داخل "المعمل"، وهو فضاء يجمع بين السكن والعمل.
تشمل مراحل الإعداد:
- نقع الطين في حوض مائي
- هرسه يدويًا وبالأقدام (المرس)
- إزالة الشوائب، خاصة "الزبسة" (حجارة بلورية)
- نشره تحت الشمس في "البطحة" ليجف
- عجنه للتخلص من فقاعات الهواء
تقنيات التصنيع[عدل | عدل المصدر]

التشكيل (الخراطة)[عدل | عدل المصدر]
تتم عملية التشكيل باستعمال الدولاب، وفق تسلسل من القطع الكبيرة إلى الصغيرة.
أنواع المنتجات[عدل | عدل المصدر]
- القطع الكبيرة:
- السبالة
- الخابية (وعاء تخزين)، تُصنع على مرحلتين ثم تُجمع
- الأدوات اليومية:
- القُلّة (لحفظ الماء)
- الباطية
- الدبوزة (للتخزين)
- الطاس (للشرب)
الإنتاج الموسمي[عدل | عدل المصدر]
يتكيّف الإنتاج مع المناسبات:
- قبل رمضان: أواني الطبخ (البرمة والكسكاس)
- قبل عاشوراء: الآلات الإيقاعية (الدرابك)
- في الصيف: القلال لتبريد الماء
- قبل عيد الفطر: الشقاقة
مرحلة الحرق[عدل | عدل المصدر]

ترتيب الفرن[عدل | عدل المصدر]
تُرصّ القطع داخل فرن تقليدي يُسمّى "الكوشة":
- القطع الكبيرة في الأسفل
- الصغيرة في الأعلى
- تُغطّى بشظايا الفخار ("الشقف") للحماية
عملية الحرق[عدل | عدل المصدر]
تستغرق عملية الحرق حوالي ثلاثة أيام:
- مرحلة التسخين: باستخدام الأعشاب الجافة ونشارة الخشب
- المرحلة النهائية: باستخدام الجريد الجاف لرفع درجة الحرارة
تُكسب هذه العملية الفخار صلابته النهائية.
الأهمية الثقافية والتراثية[عدل | عدل المصدر]
تمثّل صناعة الفخار لدى عائلة القفصي:
- تراثًا حرفيًا متوارثًا
- نموذجًا للتكيف مع البيئة المحلية
- عنصرًا من عناصر الهوية الثقافية لمدينة نفطة
كما تعكس دور الحرفيين في تلبية حاجيات المجتمع اليومية والموسمية.
الخاتمة[عدل | عدل المصدر]
تُعدّ حرفة الفخار لدى عائلة القفصي بنفطة أكثر من مجرد نشاط اقتصادي، إذ تمثل إرثًا ثقافيًا متجذرًا يعكس تاريخ المنطقة وعلاقة الإنسان ببيئته. ولا تزال هذه الحرفة شاهدة على مهارة الحرفي التونسي وقدرته على تحويل الطين إلى أدوات نافعة تحمل قيمة حضارية.